السيد نعمة الله الجزائري
505
عقود المرجان في تفسير القرآن
« وَاسْتَبَقَا الْبابَ » : طلب كلّ واحد من يوسف وزليخا السبق إلى الباب . أمّا يوسف فهربا من ركوب الفاحشة . وأمّا هي ، فلأنّها طلبته لقضاء الحاجة فقصدت غلق الباب لتمنعه من الخروج وتراوده ثانيا . ولمّا عدت من خلفه ، شقّت قميصه طولا من خلفه . « وَأَلْفَيا سَيِّدَها » ؛ أي : لمّا خرجا ، وجدا زوجها عند الباب . سمّي سيّدها لأنّه مالك أمرها . فسبقت بالكلام لتجعل الذنب على يوسف فقالت : ليس جزاء من أراد بأهلك خيانة إلّا أن يسجن أو يضرب بالسياط . قالوا : ولو صدق حبّها ، لم تقل ولآثرته على نفسها ، ولكن حبّها إيّاه كان شهوة . « شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها » . قيل : كان الصبيّ ابن أخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر . « 1 » « شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها » . قيل : ابن عمّها . وقيل : طبيب كان مع زوجها . « 2 » [ 28 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 28 ] فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) « عَظِيمٌ » . لأنّ النساء أنفذ حيلة من الرجال وألطف كيدا . ومنه قوله تعالى : « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » . « 3 » وعن بعض العلماء : إنّما أخاف من النساء أكثر ما أخاف من الشيطان . لأنّ اللّه يقول : « إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » « 4 » وقال في النساء : « إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ » . « 5 » إنّما وصفه بالعظيم لأنّه حين فاجأت زوجها عند الباب لم يدخلها دهش ولم تتحيّر في أمرها وركّبت الذنب على يوسف . « 6 » [ 29 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 29 ] يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) « يُوسُفُ أَعْرِضْ » . يعني أنّ الشاهد قال ليوسف : أمسك عن ذكر هذا الحديث حتّى لا يفشى في البلد . عن ابن عبّاس . وقيل : إنّما قاله زوجها . وقيل : معناه : لا تلتفت يا يوسف إلى هذا الحديث ولا تذكره على سبيل طلب البراءة . فقد ظهرت براءتك . ثمّ أقبل على
--> ( 1 ) - مجمع البيان 5 / 347 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 481 ، ومجمع البيان 5 / 347 . ( 3 ) - الفلق ( 113 ) / 4 . ( 4 ) - النساء ( 4 ) / 76 . ( 5 ) - الكشّاف 2 / 461 . ( 6 ) - مجمع البيان 5 / 347 .